شاهماران: استعادة الجسد، الذاكرة، وما يخلد
شاهماران: استعادة الجسد، الذاكرة، وما يخلد

الجسد لا يُترك ليكون. يُراقَب، ويُحكم عليه، ويُخفى، ويُتحدث عنه قبل أن يتحدث عن نفسه. منذ الصغر، نرث قواعد عن كيف يجب أن يكون جسدنا، وما الذي يجب إخفاؤه، وما المسموح بقوله أو إظهاره.
جاءت هذه الورشة من هذا المنطلق.

مستوحاةً من شاهماران، الشخصية الأسطورية في التراث الكردي، دعت الورشة المشاركين للتفكير فيما تحمله أجسادهم من ذكريات وخجل وتحولات وقوة. شاهماران تُعرف بحكمتها في الأعشاب والطب والخصوبة، لكن قصتها أيضًا قصة خيانة. جسدها يصبح شيئًا يريد الآخرون الوصول إليه والسيطرة عليه وأخذ ما فيه. قصتها تعكس شيئًا مألوفًا: الجسد الذي يُحدده الآخرون، ويُقيَّم بما يقدمه لا بما هو عليه.
لكن قصتها لا تنتهي بالخسارة. تستمر من خلال التحول، ومن خلال ما يبقى. من هنا جاءت فكرة الورشة: ما يعيش في الجسد لا يختفي بسبب الخجل أو الصمت. يتغير شكله، لكنه يبقى.
كانت هذه ورشتنا الأولى في السليمانية، في إقليم كردستان العراق. معظم المشاركين كانوا طلاب في كلية الفنون الجميلة في جامعة السليمانية، إلى جانب آخرين من تخصصات مختلفة. قبل أن تبدأ الورشة، جاء أحد المشاركين بعمل فني يدوي هدية. أبقيناه في القاعة كإشارة على الاهتمام والحضور الذي ميّز هذه الورشة.
قُسّمت الورشة إلى أربعة أقسام، كل قسم أنتج صفحة واحدة في زيين شخصي صنعه كل مشارك.

القسم الأول: الجسد الذي أحمله
بدأنا بتمرين لصنع الأشكال الورقية. لم نعطِ المشاركين شكلًا محددًا، بل تركنا الأمر مفتوحًا. كان بإمكان كل شخص أن يرسم ما يريد، شكل إنسان، أو يد، أو نافذة، أو باب، أو أي شكل يعني له شيئًا. ثم طرحنا عليهم أسئلة:
ما الذي حمله جسدك؟ ماذا قيل له؟
الردود جاءت بأشكال كثيرة، ليس فقط بالكلمات، بل بالألوان والملمس والخطوط. عبّر المشاركون عن الغضب والصدمة والحماية بطرق بصرية لا لفظية.
في البداية، كانت الفكرة أن تعمل هذه الأشكال كأبواب تُفتح لتكشف كتابة مخفية خلفها. لكن كثيرًا من المشاركين صنعوا أشكالًا لا تناسب هذه الفكرة، فتركناهم يكملون بطريقتهم.
واصل المشاركون العمل بحرية: كتبوا فوق الأشكال، لصقوا صورًا، أخفوا رسائل، وصنعوا كتابات من قصاصات صحف كردية وإنجليزية. وكان السؤال الأخير الذي وجّهت إليه الصفحة:
بماذا سيبوح جسدك لو استطاع الكلام؟
بعضهم كتب بالكردية أو الإنجليزية، وبعضهم مزج بين اللغات.
القسم الثاني: ما أُخذ / ما أستعيده
في هذا القسم انتقلنا من التأمل إلى المواجهة. عدنا لقصة شاهماران وتحدثنا عن كيف تُؤخذ المعرفة من الجسد، وكيف تُعامَل الأجساد كأشياء يجب التحكم بها وتعريفها من الخارج.
طلبنا من المشاركين التفكير بهدوء في ما سُلب منهم وما تعلموا إخفاءه.
بدأ بعضهم بمشاركة افكاره. تحدث أحد المشاركين عن شيء يصعب وصفه: الإحساس بالانفصال عن النفس، وصعوبة الشعور بالراحة داخل الجسد. اتسع النقاش ليشمل شيئًا أعمق من الخجل الخارجي: الشعور بالغربة عن الذات، والطرق المخفية التي يتعلم بها الإنسان أن ينفصل عن جسده.
بعدها، قسّم المشاركون صفحاتهم بين ما أُخذ منهم وما يريدون استعادته. تحوّل الخجل إلى فخر، والصمت إلى كلام، والنفور إلى قبول. كانوا يعيدون تعريف أنفسهم بأنفسهم.

القسم الثالث: خطوات وبصمات
حين أعلنّا عن استراحة القهوة، لم يتحرك أحد. بقي الجميع في مكانهم، يكملون عملهم، يتبادلون الأفكار، ويجرّبون المواد.
قدّم هذا القسم فكرة صنع الأختام والبصمات، مستوحاةً من شاهماران والجسد وفكرة أن نترك أثرًا.
باستخدام الطين الاصطناعي والحبر، تجوّل المشاركون في المكان يجمعون بصمات من الأسطح والأشياء التي لفتت انتباههم، يبحثون عن شكل او ملمس يشبه الحراشف أو الأوردة. بعضهم استخدم حذاءه لترك آثار أقدام. آخرون جمعوا بصمات من الزهور والأرض وجذوع الأشجار.
أحد المشاركين وجد قطعة شبكة معدنية واستخدمها لصنع نقوش تشبه جلد الأفعى، إشارة لجسد شاهماران. و غيرهم استخدموا قلائد طفولتهم كانوا يرتدونها، وحوّولها إلى جزء من بصماتهم على الصفحة.

القسم الرابع: التعافي والتجدّد
عدنا إلى نهاية قصة شاهماران وتحدثنا عن الاستمرار وما يخلد. طلبنا من المشاركين التفكير في:
ما الذي يبقى منك مهما حدث؟ ما الذي تريد أن تورثه؟ وماذا تريد أن تقول لنفسك وأنت صغير؟
ثم عبّروا عن ذلك بالطريقة الفنية التي يختارونها.
بعض المشاركين استلهموا من التراث الكردي وأضافوا زخارف مستوحاة من الدق الكردي التقليدي. إحدى المشاركات غطّت صفحتها كاملة بنقش جلد الأفعى. بالنسبة لها، هذا النقش يعني التجدد: أن يتخلى الجسد عن ما مضى ويبدأ من جديد.

في نهاية الورشة، لم تبدُ الصفحات كمطويات عادية، بل كأرشيفات شخصية. كل صفحة تحمل شيئًا أكبر: قصصًا مفروضة، وذكريات جسدية، ومقاومة، وتحوّل.
في دائرة الختام، شارك المشاركون كلمة أو صورة أو جملة من عملهم، وكثيرون أرادوا شرح ما صنعوه، ما وراء كل اختيار و نقش وما عبّروا عنه.
كقصة شاهماران، هذه الحكايات لا تنتهي عند نقطة معينة. تكمل مسيرها في أشكال أخرى، محفوظة فيما يُخلد.
تابعنا على إنستغرام: https://instagram.com/iraqizine
تصفّح الزينات على الموقع: https://iraqizine.com/zines