Issue عدد 005 June 20

بلبل: حين عاد الراديو ليغنّي

حين غنّى البلبل من جديد

By Amna Nader
بقلم Amna Nader
بلبل: حين عاد الراديو ليغنّي

في زمن أصبحت فيه الموسيقى والأخبار والترفيه متاحة في أي لحظة ومن أي مكان، قد يبدو الراديو بالنسبة للكثيرين وسيلة تنتمي إلى الماضي. لكن بالنسبة لجزء كبير من القرن العشرين، كان الراديو أحد أهم الوسائل الثقافية في العراق. فمن خلاله تعرّف الناس على الموسيقى والشعر والأخبار والبرامج الكوميدية والحوارات، وأصبح رفيقًا يوميًا حاضرًا في تفاصيل الحياة عبر أجيال متعاقبة.

ورغم أن العراق يمتلك واحدة من أقدم المحطات الإذاعية في الشرق الأوسط، إذ تأتي إذاعته في المرتبة الثانية بعد إذاعة القاهرة من حيث القِدم، كما احتضن عددًا من أطول البرامج الإذاعية عمرًا في المنطقة، فإن كثيرًا من الشباب العراقي اليوم لا يعرفون سوى القليل عن الأصوات والفنانين والمذيعين الذين ساهموا في صناعة هذا الإرث الثقافي الغني.

من هنا انطلقت فكرة بلبل، العدد الخامس من عراق زيين.

استمدت الورشة اسمها من “البلبل” النحاسي الميكانيكي الشهير. فمنذ عام 1976 وحتى عام 2003، كان صوته الذي يُسمع عند الساعة السادسة صباحًا يعلن بداية البث الإذاعي العراقي. وعلى مدى أجيال، أصبح ذلك الصوت جزءًا من الروتين اليومي للملايين، وتحوّل إلى طقس صغير ومألوف تشاركه العراقيون في مختلف أنحاء البلاد.

ومن خلال هذه الورشة، أردنا أن يعود البلبل إلى الغناء من جديد.

القسم الأول: أصوات النقد

بدأنا الورشة بالتعرّف على تاريخ الإذاعة العراقية، متتبعين مسيرتها منذ تأسيسها عام 1936، ومناقشين دورها في تشكيل الثقافة والترفيه والحياة العامة في العراق.

بعد ذلك، تعرّف المشاركون على الفنان العراقي عزيز علي، أحد أشهر رواد المونولوج في العراق، والذي عُرف بأغانيه الساخرة التي تناولت القضايا السياسية والاجتماعية والسياسات الحكومية بأسلوب يجمع بين النقد والفكاهة.

واستلهم المشاركون من تجربته للتفكير في القضايا التي تؤثر على حياتهم اليوم. فتحولت الاختناقات المرورية، وانقطاع الكهرباء، وموجات الحر الشديدة، وضعف البنية التحتية، وغيرها من التحديات

اليومية إلى موضوعات لمونولوجات جديدة كتبها المشاركون خلال الورشة، مستخدمين السخرية وسيلة للتعبير عن تجاربهم ورؤيتهم للواقع.

القسم الثاني: رسم الصوت

في القسم الثاني، تعرّف المشاركون على عدد من المطربين الذين ملأت أصواتهم أثير الإذاعة العراقية في فترات مختلفة، واستمعوا إلى مجموعة مختارة من الأغاني التي تمثل مراحل متنوعة من تاريخ البث الإذاعي في العراق.

لكن بدلًا من تحليل الموسيقى أو مناقشتها بشكل تقليدي، طُلب منهم التفاعل معها بصريًا.

حصل كل مشارك على كلمات مطبوعة لإحدى الأغاني المرتبطة بعصر الإذاعة، ثم تحدّى نفسه لتحويل تلك الكلمات إلى عمل فني.

اختار بعض المشاركين رسم مشاهد مستوحاة مباشرة من النصوص، بينما ركز آخرون على الأجواء أو الرموز أو المشاعر التي أثارتها الأغنية لديهم. وكانت النتيجة مجموعة متنوعة من الرسومات التي أظهرت كيف يمكن للموسيقى أن تولّد صورًا وذكريات وتفسيرات شخصية تتجاوز حدود الصوت نفسه.

القسم الثالث: الراديو على الورق

في القسم الثالث، تعاونّا مع الأرشيف العراقي للمطبوعات، وهي مبادرة شبابية تهدف إلى حفظ التراث الطباعي العراقي والتعريف به.

تسلّم المشاركون نسخًا من ملصقات تاريخية، وإعلانات، ومجلات، ومطبوعات مختلفة مرتبطة بتاريخ الإذاعة والبث في العراق. وقد أتاحت لهم هذه المواد فرصة لاستكشاف العالم البصري الذي رافق ثقافة الراديو لعقود طويلة.

ومن خلال العمل المباشر مع هذه المواد الأرشيفية، تأمل المشاركون العلاقة بين البث الإذاعي والتصميم الغرافيكي ووسائل التواصل الجماهيري، واكتشفوا أن الراديو لم يكن مجرد وسيلة لنقل الصوت، بل كان أيضًا جزءًا من منظومة أوسع من السرد البصري الفني.

القسم الرابع: أن تصبح المذيع

بعد الاستماع إلى مقتطفات أرشيفية من مجموعة واسعة من البرامج الإذاعية، شملت برامج الأطفال، والقراءات الشعرية، وفقرات تعليم اللغة مثل برنامج “قل ولا تقل”، وبرامج الإرشاد الاجتماعي، والنقاشات النفسية، تأملنا في تنوع المحتوى الذي كان يرافق العراقيين في مختلف أوقات يومهم.

بعد ذلك، تخيّل المشاركون البرنامج الإذاعي الذي يرغبون في تقديمه اليوم.

قام كل مشارك بابتكار اسم لبرنامجه، واختيار موعد بثه، وتحديد الجمهور الذي يرغب في مخاطبته. ثم استخدموا الكولاج والمواد الأرشيفية المطبوعة لتصميم ملصقات ترويجية لبرامجهم المتخيّلة.

تنوعت النتائج بين أفكار مرحة وأخرى شخصية وعميقة، وبين برامج تنشغل بالقضايا الاجتماعية وأخرى تنطلق من اهتمامات فردية. لكنها جميعًا عكست اهتمامات ومخاوف وطموحات جيل جديد، مع بقائها متصلة بالإرث الطويل للإذاعة العراقية.

حين غنّى البلبل من جديد

مع نهاية الورشة، عبّر العديد من المشاركين عن دهشتهم من ثراء وتنوع التراث الإذاعي العراقي. وبالنسبة لمعظمهم، كانت هذه المرة الأولى التي يتعرفون فيها على القصص والأصوات والشخصيات الثقافية التي ساهمت في تشكيل تاريخ البث الإذاعي العراقي خلال القرن العشرين.

غادر المشاركون وهم يحملون اعمالهم التي أنجزوها خلال الورشة، لكنهم غادروا أيضًا بفضول جديد تجاه وسيلة إعلامية كانت يومًا ما تربط ملايين العراقيين ببعضهم البعض.

ولساعات قليلة، لم يعد الراديو شيئًا بعيدًا أو منسيًا، بل تحوّل إلى مساحة للإبداع والتأمل والنقد والخيال.

وللحظة قصيرة، عاد البلبل ليغني مرة أخرى.

← All articlesكل المقالات ← Share your voiceشارك صوتك