Issue عدد 003 March 2026

فرناس: بين الحدود، الهوية، وحرية التنقّل

فرناس: بين الحدود، الهوية، وحرية التنقّل

By Amna Nader
فرناس: بين الحدود، الهوية، وحرية التنقّل

في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، شهد العراق إغلاقات متكررة للمطارات نتيجة تصاعد الصراعات الإقليمية، فأصبح شيء بسيط مثل التنقّل، والذي يُعتبر أمرًا اعتياديًا في أماكن أخرى، غير مؤكد أو حتى غير متاح. لكن هذا الواقع لا يرتبط فقط بالأزمات الطارئة، بل يتقاطع مع قيود موجودة منذ سنوات. فما يزال جواز السفر العراقي من بين الأضعف عالميًا، مما يحدّ من حرية الحركة عبر الحدود. كما تجعل التحديات الاقتصادية السفر أمرًا صعبًا أو مستحيلًا للكثيرين، بينما تضيف القيود الاجتماعية، خاصة المفروضة على النساء، طبقة أخرى من التعقيد.

بالنسبة للكثير من الشباب العراقي، السفر ليس مجرد خطة، بل هو تفاوض مستمر مع الأنظمة، والهوية، والظروف المحيطة. من هذا الواقع، وُلدت ورشة فرناس، وصُممت كمساحة للشباب العراقي للتأمل في قيود الحركة ومشاركة تجاربهم، سواء كانت مرتبطة برفض التأشيرات، أو التعقيدات البيروقراطية، أو حتى الرغبة البسيطة في استكشاف العالم. وفي جوهرها، تناولت فرناس فكرة أساسية: الحق في التنقّل.

تم تقسيم الورشة إلى أربعة أقسام، ساهم كل منها في إنتاج صفحة ضمن زيين شخصي صممه كل مشارك.

القسم الأول: أين كنت تود أن تولد؟

بدأنا بسؤال بسيط لكن مهم: لو لم تولد في العراق، فأين كنت ستختار أن تولد؟ قام المشاركون بوضع علامات على خريطة العالم لتحديد البلدان التي يختارونها، واختار الكثيرون دولًا مرتبطة بفرص أكبر، وحرية حركة أوسع، وإمكانيات أفضل. لكن إحدى الإجابات غيّرت مسار النقاش؛ فقد اختار أحد المشاركين، وهو عراقي مولود في سوريا، العراق.

بالنسبة له، كانت الولادة خارج العراق تعني سنوات من التعقيدات الإدارية، ومشكلات الوثائق، والعقبات المرتبطة بإثبات الهوية. وقد فتحت إجابته نقاشًا أعمق حول تأثير مكان الولادة، ليس فقط على الفرص، بل أيضًا على الإحساس بالانتماء.

بعد ذلك، بحث المشاركون عن جوازات سفر البلدان التي اختاروها، واستخدموها كمصدر إلهام لإعادة تصميم أغلفة جوازات سفرهم الخاصة. ومن خلال الرسم، والكتابة، والكولاج، تحوّل جواز السفر من

وثيقة رسمية جامدة إلى مساحة شخصية لإعادة تخيّل الهوية.

القسم الثاني: تحرير الصورة

ركز القسم الثاني على شيء مألوف جدًا: الصورة الرسمية. تأمل المشاركون في القواعد الصارمة المفروضة على هذه الصور، وكيف تحدد شكل الشخص والطريقة التي يجب أن يظهر بها ليتم الاعتراف به وتوثيقه والموافقة عليه.

تحوّل ذلك إلى نقاش أوسع حول أنظمة التحكم الأكبر. فغالبًا ما تبدو حرية التنقّل مشروطة، وتتطلب من الأفراد إثبات أنفسهم باستمرار من خلال الأوراق الرسمية، والجاهزية المالية، ومتطلبات أخرى غير مرئية.

بعدها، طُلب من المشاركين إعادة تشكيل الصور الرسمية التي أحضروها معهم. ومن خلال القص، واللصق، وإضافة الطبقات المختلفة، تم تفكيك الصور المصممة أصلًا للامتثال وإعادة تشكيلها لتصبح

 أكثر تعبيرًا وحيوية. وكانت النتيجة صورًا مجزأة، وهويات هجينة، وتكوينات بصرية مرحة لم تعد تبحث عن الموافقة.

القسم الثالث: ثقل الفشل

في القسم الثالث، انتقلنا إلى قصة عباس بن فرناس: العالم، والمخترع، والشاعر، والرائد. ورغم مساهماته العديدة، غالبًا ما يُذكر بسبب أمر واحد فقط: محاولته الفاشلة للطيران.

طرحنا على المشاركين سؤالًا: لماذا نتذكر السقوط، وننسى كل ما جعل المحاولة ممكنة؟ حصل كل مشارك على ريشَتين؛ كتب على الأولى تجربة فشل شخصية، وعلى الثانية لحظة نجاح.

ثم طُلب منهم اختيار ريشة واحدة لوضعها في صفحة الزين الخاصة بهم. لكن بشكل مفاجئ، رفض العديد منهم الاختيار. بدلًا من ذلك، جمعوا الريشتين معًا، ودمجوا الفشل والنجاح في عنصر واحد.

وكان منطقهم بسيطًا: لا وجود للنجاح دون الفشل. وبهذا، تغيّرت قراءة قصة ابن فرناس. لم يعد السقوط مجرد لحظة فشل، بل جزءًا من سردية أكبر عن الفضول، والمخاطرة، وشجاعة المحاولة.

القسم الرابع: البصمة الأخيرة

في الصفحة الأخيرة، صمّم المشاركون ختمًا، أو رسالة، أو رمزًا يرغبون في تركه خلفهم. وباستخدام الحبر، والأشكال، والخامات المختلفة، ابتكروا علامات قابلة للتكرار، تحوّلت كل منها إلى مساحة شخصية.

كتب أحد المشاركين: “لتكن المحبة معك”، وهي إعادة صياغة مقصودة لعبارة مألوفة: “ليكن السلام معك”. وعندما سُئل عن اختياره، أوضح أن السلام وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى أساس أعمق. وبالنسبة له، كان هذا الأساس هو الحب.

نقلت الصفحة الأخيرة الزيين من مساحة للتأمل إلى مساحة للتصريح والموقف. فإذا كانت الصفحات السابقة قد تناولت الحدود، والهوية، والقيود، والتحوّل، فإن الصفحة الأخيرة أجابت سؤالًا أخيرًا: ماذا تختار أن تترك وراءك؟

تصفّح العدد الثالث فرناس على الموقع: https://iraqizine.com/zines

تابعنا على إنستغرام: https://instagram.com/iraqizine

← All articlesكل المقالات ← Share your voiceشارك صوتك